بين الخيام الممزقة ومياه الأمطار.. شتاء قاسٍ ينتظر نازحي غزة

بين الخيام الممزقة ومياه الأمطار.. شتاء قاسٍ ينتظر نازحي غزة
تقارير وحوارات

غزة/ دعاء الحطاب:
مع اقتراب فصل الشتاء، تحاول أم باسم المصري (35عاماً ) ترميم خيمتها المتهالكة في مخيم "بسمة أمل" بالنصيرات، وسط قطاع غزة، مستخدمة أكياس الطحين وقطع القماش القديمة لسدّ الثقوب في جدرانها وتثبيت أجزائها المتآكلة، في محاولة لتقليل الأضرار التي قد تُلحقها الرياح والأمطار بمأوى لم يعد قادراً على حمايتها وأسرتها.
تدرك المصري أن محاولاتها لن تمنع مياه الأمطار من التسرّب إلى داخل الخيمة، لكنها تتمسك بما تملك، في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار مستلزمات الإيواء، بعدما فقدت منزلها بفعل القصف الإسرائيلي، وبينما تستعد لمواجهة شتاء جديد، تجد نفسها مضطرة إلى إعادة ترميم المأوى ذاته الذي تقيم فيه منذ سنوات، رغم ما أصابه من تمزق وتآكل.
وتقول إن خيمتها شهدت فصول السنة الأربعة خلال سنوات النزوح، لكنها لم تعد قادرة على توفير الحماية من الحر أو البرد، مضيفة "أن أقمشتها تمزقت ولم تعد تستر الأسرة أو تقيها تقلبات الطقس، في وقت لا تملك فيه القدرة على استبدالها".
وتختصر حكاية المصري جانباً من معاناة آلاف الأسر الفلسطينية التي لا تزال تعيش في الخيام ومراكز الإيواء، بعد أن دفعتها الحرب إلى مغادرة منازلها، لتواجه اليوم تهديدات الشتاء بما يتوافر لديها من إمكانات محدودة، وسط مخاوف من الغرق والبرد ونقص المأوى الملائم.
وتتفاقم هذه المخاوف في ظل تحذيرات أممية من مخاطر الأمطار التي تهدد نحو 950 ألف نازح في قطاع غزة مع اقتراب فصل الشتاء، بالتزامن مع تدهور ظروف الإيواء ونقص المساعدات الإنسانية.
وبحسب تقرير نشره موقع الأمم المتحدة في فلسطين، يحتاج 294 ألفاً و250 أسرة إلى دعم في مجال الإيواء خلال موسم الشتاء، فيما يواجه أكثر من 400 ألف نازح مخاطر مرتفعة للفيضانات. ونقل التقرير عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” أن الإمدادات المتاحة لم تسمح بتوفير مساعدات الإيواء سوى لنحو 18% من الأسر المحتاجة.
خيمة لا تصمد أمام المطر
تواصل المصري ترقيع خيمتها، غرزةً بعد أخرى، محاولةً سدّ الثقوب التي قد تنفذ منها مياه الأمطار، فيما تفرش أرضيتها بالحجارة المكسورة لرفعها عن الرمل وتقليل احتمالات تسرب المياه إلى داخلها.
وتقول لـ”الاستقلال”: “هذه خيمتنا البائسة التي تؤوينا منذ عامين ونصف، بعدما قصفت طائرات الاحتلال منزلنا، ما إلنا مكان غيرها، رغم أنها ما بتنفع بالصيف ولا بالشتاء ولا في غدرات الزمان".
ومع كل موسم شتاء، تتكرر محاولات الترميم ذاتها، بحثاً عن وسيلة تحمي أفرشة الأطفال وملابسهم من البلل، لكن هذه التدابير تبقى محدودة الأثر أمام الأمطار الغزيرة والرياح التي تهدد بتمزيق ما تبقى من أقمشة الخيمة.
وتوضح المصري أن شراء خيمة جديدة بات أمراً يفوق قدرة أسرتها، إذ تتراوح أسعارها، وفق قولها، بين 800 و2000 شيكل، فيما يتراوح سعر الشادر بين 110 و200 شيكل، وهي مبالغ لا تستطيع توفيرها في ظل ظروفها المعيشية الصعبة.
ولا تقتصر مخاوف الأسرة على تسرب المياه، إذ تفتقر الخيمة إلى وسائل التدفئة، ولا تملك الأسرة سوى بعض الأغطية والملابس لمواجهة البرد، وحين تنخفض درجات الحرارة، تضطر إلى إشعال موقد النار والالتفاف حوله، رغم صعوبة توفير الحطب وارتفاع سعر الكيلوغرام منه إلى ما بين 10 و13 شيكلاً، بحسب المصري.
لكن المشهد الأكثر قسوة بالنسبة إليها هو غرق الخيمة مع هطول الأمطار؛ إذ تتحول الأرضية إلى بركة من المياه، وتبدأ رحلة شاقة لإخراجها باستخدام المجارف والجرادل، ثم تجفيف الأفرشة والملابس وانتظار جفاف المكان حتى تتمكن الأسرة من مواصلة العيش داخله.
وهكذا، لا تنتهي معاناة الأسرة بانحسار المطر، بل تمتد إلى ما بعده، في ظل غياب مأوى بديل يقي أفرادها البرد والرطوبة ويمنحهم الحد الأدنى من الاستقرار.
كل قطرة مطر وراءها كارثة
على مقربة من ميناء غزة، غربي القطاع، تستقبل أم محمود نوفل 45) عاماً ( اقتراب الشتاء بقلق لا يشبه ما اعتادته في الأعوام السابقة؛ فالمطر الذي كان موسماً للخير أصبح بالنسبة إليها مصدراً للخوف، بعدما ارتبط في ذاكرتها بمشاهد غرق الخيمة وابتلال الأفرشة والملابس وفقدان ما تبقى للأسرة من مقومات الحياة.
وتقول نوفل، في حديثها لـ”الاستقلال”: “رغم حبنا الكبير لفصل الشتاء، أصبحنا نكره قدومه، فمنذ بداية الحرب لم يحمل لنا سوى الفواجع والآلام والمعاناة التي لا تتوقف. كل رشة مطر بالنسبة إلنا وراها كارثة”.
وتستعيد النازحة ما عاشته خلال الشتاء الماضي، حين تسللت مياه الأمطار إلى خيمتها، لتجد نفسها وزوجها وأطفالها وسط المياه، عاجزين عن حماية أنفسهم وممتلكاتهم في الوقت نفسه.
وتروي: "نقذ أولاً؛ الخيمة أم أطفالنا، كل شيء حولنا كان مبللاً، الأفرشة والملابس وحتى الطعام القليل الذي نملكه"، مشيرة إلى أن هذه التجربة تكررت معهم مرات عديدة خلال الشتاء الماضي.
وتوضح أن الأسرة تواجه خيارات صعبة كلما اشتد هطول الأمطار؛ فإما مغادرة الخيمة والاحتماء تحت سقف بناية قريبة إلى حين توقف المطر، أو البقاء داخلها ومحاولة الحد من تدفق المياه، في ظل غياب مكان آمن يوفر الحماية اللازمة.
ومع انحسار الأمطار، تبدأ مهمة أخرى لا تقل مشقة، تتمثل في تنظيف الخيمة وتجفيف الأفرشة والملابس وإعادة تثبيت أعمدتها المهترئة بالحبال وقطع القماش، استعداداً لمواجهة موجة جديدة من الطقس السيئ.
وتقول نوفل :" إن هذه الظروف تتكرر مع آلاف العائلات النازحة التي تجد نفسها مضطرة إلى تدبير شؤونها بإمكانات محدودة، رغم حاجتها إلى مأوى متين يحميها من البرد والأمطار.
وتضيف: "للعام الرابع على التوالي نستصرخ ونطالب الجهات المختصة والمؤسسات الدولية والعربية بإيجاد حلول عاجلة لمعاناتنا، لكن للأسف لا حياة لمن تنادي»، متسائلة عن المدة التي سيظل فيها النازحون عالقين في هذه الظروف.
وتوجّه نوفل نداءً إلى المجتمع الدولي والعالمين العربي والإسلامي، مؤكدة أن مطالب الأسر النازحة لا تتجاوز الحصول على مأوى آمن يحفظ كرامتها ويحمي أطفالها من تقلبات الطقس.
وتقول: "نحن لا نطالب ببيوت فخمة ولا بحياة رغيدة، كل ما نريده فقط الأمان والاستقرار؛ فالخيام لا تحمينا ولا تحمي أطفالنا. نحن بحاجة إلى كرفانات مجهزة وحمامات توفر لنا الحد الأدنى من الكرامة والحماية".
162 ألف خيمة خارج الخدمة
وتعكس شهادات النازحين حجم أزمة الإيواء التي تتفاقم مع اقتراب الشتاء، في ظل تدهور حالة الخيام القائمة وعدم قدرة كثير من الأسر على استبدالها أو إصلاحها بصورة تضمن حمايتها من الأمطار والرياح.
وفي هذا السياق، حذّر المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة من أن أكثر من 60% من خيام النازحين أصبحت مهترئة وتحتاج إلى الاستبدال الفوري.
وأوضح المدير العام للمكتب، إسماعيل الثوابتة، أن مسحاً ميدانياً لواقع مخيمات النزوح أظهر خروج 162 ألف خيمة عن الخدمة من أصل 270 ألف خيمة تؤوي العائلات النازحة في محافظات القطاع الخمس.
وأشار إلى أن هذه الخيام لم تعد قادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية أمام الرياح والأمطار والبرد، ما يعرّض الأطفال والنساء والمرضى لمخاطر متزايدة مع حلول فصل الشتاء.
وحذّر الثوابتة من أن استمرار أزمة الإيواء من دون تدخل عاجل قد يجعل الشتاء كارثياً على النازحين، مطالباً المجتمع الدولي ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية بالضغط من أجل إدخال خيام جديدة ومواد إغاثية شتوية تلبي احتياجات الأسر المتضررة.
وتتفاقم الأزمة في ظل استمرار القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول الإمدادات إلى قطاع غزة، بالتزامن مع تداعيات الحرب التي اندلعت في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وما خلّفته من دمار واسع في المنازل والبنية التحتية ومرافق الخدمات الأساسية، الأمر الذي قلّص خيارات الأسر النازحة في العودة إلى مساكنها أو العثور على بدائل مناسبة.
وبين خيمة المصري التي تحاول ترميمها بأكياس الطحين وقطع القماش، وخيمة نوفل التي تتحول مع أولى زخات المطر إلى بركة من المياه، تتشابه مخاوف النازحين مع اقتراب الشتاء؛ فالمشكلة لا تتعلق بتسرب المطر وحده، بل بغياب المأوى القادر على توفير الحماية، وباضطرار الأسر إلى مواجهة البرد والفيضانات عاماً بعد عام، من دون ضمانات تحول دون تكرار معاناتها

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق